أرسطو
23
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس
الانفصال عنه ولو لحظة واحدة ، إذ لا شك أن حظنا الأخلاقي بدونه لا يكون شيئا ممكنا ، فحينئذ لا بد مع محاربته من الاحتفاظ به ، ومراقبته مع الانتفاع به ، وعدم الاطمئنان اليه مع إحاطته بالعناية اللازمة . أما تعيين الحدود اللازمة لذلك فهو من أدق الأشياء ، ولا بد من الاحتراس من مجاوزة حدود التسامح أو التشدّد . لكن لما كان التسامح هو ميلنا الطبيعي ، كان الأحسن والأولى بعلم الأخلاق الميل إلى المعنى المضادّ ، فإنه لا يكون من الحكمة على قدر كبير إذا هو لم يكن متشدّدا . ومن ثم ترى المذاهب الأخلاقية الحقيقة برعاية الخلف ملأى بالقواعد الهادية إلى الاعتدال وإلى التربية . ومع ذلك فقد يكون الإنسان مخطئا جدّا إذا شكا من اجتماع العقل والمادّة في شخصه اجتماعا لا خطر منه إلا إذا لم يحسن استعماله . فإنه هو بديّا الركن الأصلي للفضيلة التي هي الجزاء الأخير للحياة الأخلاقية وكنزها . ولا فضيلة بلا حرب لأن من البين الواضح أنه ما لم يكن حرب فلا ظفر . زد على ذلك أن الانسان المحب للخير والذي علمته التجربة يستطيع أن يحوّل إلى منفعته ذلك التأثير الواقع من المادي على المعنوي . فإنه بتدبير الجسم على طريقة معينة تعتدل شهوات النفس ، وباتباع نظام معين يمكن بلوغ صحة النفس من طريق صحة البدن ولو بالجزء « النفس الصحيحة في الجسم الصحيح » . فالروح هي التي نظمت البدن بديّا ، وهي التي أخضعته إلى السلطة المناسبة وحصرته في حدوده الحقيقية . ولكن الجسم لعلة غير معروفة يردّ إليها ما أخذ منها ، وبدون أن يزعجها بعد ينقل إليها سكينة وسلاما تنتفع بهما في تجويد فهم الواجب وحسن القيام به . فاجتماع الروح والجسم هو بمقتضى ذلك نعمة . فالتضجر منه نقص في معرفته كما تفعل القلوب الصافية أحيانا ، إذ تستعجل القدر لنقض هذا الاجتماع ، إما بدعاء اعتسافى ، وإما بالغلوّ في الزهد .